محمد أبو زهرة
4011
زهرة التفاسير
المثل : الصفة الغريبة ، وغرابتها ليست في ذاتها فقط ، إنما كانت غرابتها لأنها جاءت على خلاف ما يزعمون ، إذ يزعمون أولا : أن أوثانهم ستكون شفيعة لهم ، وكانوا يفعلون أمورا يحسبونها من مكارم الأخلاق كإكرام الضيفان وإغاثة الملهوف أحيانا ، كما فعل بعض كبرائهم في حلف الفضول ، ويحسبون ذلك عملا طيبا ، ولو كان مقصده المفاخرة والمباهاة . ثانيا ، ويرون أنهم الكبراء الذين لا تنسى محامدهم ثالثا ، لكنهم يرونها يوم القيامة كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف . مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ، أي حال الذين كفروا بربهم ، أي جحدوا بربهم الذي خلقهم وأنشأهم وقام على شؤونهم وربّهم وحفظهم ، حالهم الغريبة أعمالهم كرماد اشتدت به الريح ، وفي قراءة الرياح ، وهذه الجملة هي الخبر أو دالة عليه . وقد شبه اللّه سبحانه وتعالى أعمالهم بالرماد الذي تأتى عليه ريح عاصفة شديدة الهبوب فتثيره فتكون رمادا يتبدد ، يغبر به الجو ، ثم لا يبقى منه شئ ، إلا الغبار الذي يصيب أعينهم ويفسد جوهم ، والريح هو العاصف ، ولكن وصف اليوم بأنه العاصف من باب إطلاق الزمن على اسم ما يحل فيه ، كيوم ماطر ، ويوم صائف ، ويوم صائم . وذلك لاستغراق عصف الرياح لليوم كله ، حتى كأنه اليوم الذي اتصف بالعصف وليس غيره . وقوله تعالى : اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ مشتقة من الشدّ بمعنى العدو ، كقولهم شد عليه بمعنى عدا عليه وغلبه ، أو مشتقة من الشدة ، وهو الأظهر ، والباء للتعدى ، أي اشتدت فيه الريح وفي قراءة الرياح . وقوله تعالى : لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ قدم مِمَّا كَسَبُوا على عَلى شَيْءٍ للاهتمام بما كسبوه فهم كانوا يحسبونه شيئا من المكارم ، والأعمال الصالحة فلا يجدونه شيئا ؛ وذلك لأنه فقد المؤثر النفسي وهو الإيمان ، وقصد الخير